دورة أخرى في دوامة الدماء

 

لم تكن العملية الرهيبة البارحة في القدس نتيجة للهجوم على بلاطة وجنين، بل كانت دوامة أخرى من دوامات الدم، والتي تترك انطباعًا بأن الطرفين فقدا الأمل، ولا يرغبان حتى في إيقافها...


 
في يناير 1957، وبعد أكثر من عامين من الإرهاب والقتال، استدعى حاكم الجزائر المظليين الفرنسيين وطلب منهم السيطرة على الجزائر العاصمة. "من الناحية التكتيكية المجردة"، كتب إليسطير هوران في كتابه "حرب وحشية للسلام"، "هذا القرار بين أنه وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، التي قبلت فيها فرنسا تحدي التنظيم السري الجزائري ووقفت أمامه بكامل قوتها، وبجاهزية لاستعمالها. يتوجب على الصراع أن يحسم منذ الآن بخسارة أحد الطرفين". بكلمات أخرى، أراد الفرنسيون للجيش أن ينتصر.

الذي حدث في الشهور الأخيرة سوف يبدو مألوفًا إلى درجة الألم، حتى بالنسبة لمخلوق فضائي هبط في إسرائيل يوم الخميس الماضي، وعلى علم بالأيام الثلاثة الأخيرة من الصراع مع الفلسطينيين. قام الجنرال ماسي، قائد المظليين القاسي والمجرب، بنشر 4000 من جنوده في أنحاء المدينة، كما وجرؤ على الدخول حتى إلى الحي الرهيب الذي كان يخشاه الفرنسيون الذين سبقوه. لم يأنف من أية وسائل، حتى التعذيب والمس بالمواطنين. حتى مارس 1957 كان هذا الحي تحت سيطرته، على ما يبدو.

لم يكن رد الـ "إف. إل. إن", التنظيم السري الجزائري، بمقاتلة المظليين مباشرة. لقد أيقنوا أن لا أمل لهم في صراع كهذا, كما أن العديد من زعمائهم كان قد قتل أو تم القبض عليه من قبل الفرنسيين. الرد كان إرهاب دون تمييز على أهداف مدنية للمستوطنين الفرنسيين في الجزائر. أدت سلسلة من التفجيرات إلى القضاء على عشرات المواطنين. ونهاية ذلك معروفة أيضًا. فقد تم احتلال الحي من جديد دون أن يتوقف الإرهاب أو حرب العصابات. "حسنًا"، قال بول طغن، المسؤول عن شرطة الجزائر، "انتصر ماسي في حربه ضد الجزائر، وبسبب ذلك نحن خسرنا الحرب".

اقتحم الجيش الإسرائيلي في نهاية الأسبوع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في نابلس وجنين. تم التخطيط لهذه العملية منذ زمن، والمصادقة عليها تمت بعد سلسلة العمليات الأخيرة. كما قال كل من قائد عصبة الضفة الغربية وقطاع غزة، العميد غرشون يتسحاق، وقائد لواء المظليين، أفيف كوخابي، فإن العديد من المطلوبين فروا من المخيمات في موعد سابق. أصيب العشرات من المسلحين, وتم ضبط وسائل قتالية. لكن، يتسحاق وكوخابي، ضابطي العمليات، سوف يكونان أول من يعترف بأنه ما ما وراء الرسالة الجازمة بأن ما من أحد قادر على إيقاف الجيش الإسرائيلي، لم يكن هنا أي إلحاق ضرر حقيقي بالقدرة على تنفيذ العمليات.

لم تكن العملية الرهيبة البارحة في القدس نتيجة للهجوم على بلاطة وجنين. بل كانت دوامة أخرى من دوامات الدم، والتي تترك انطباعًا بأن الطرفين فقدا الأمل، ولا يرغبان حتى في إيقافها. لقد تم قتل العشرات من الفلسطينيين منذ نهاية الأسبوع الصعب قبل أسبوعين، حيث تم تفجير دبابة "همركباه" وقتل الجنود في حاجز عين عريك. إن هذا لم يمنع ولن يمنع قتل المواطنين في القدس وفي أماكن أخرى.
لا يوجد انتصار عسكري في هذه الحرب. يستطيع الجيش أن يفاخر, كما في أقوال كوخابي، أن "النمر في بلاطة كان قطًا". لكن لا يوجد في هذه الأقوال أكثر من تقييم لتنفيذ عسكري ناجح, وربما إحباط عند كل الذين يرفض العدو اللعب وفق قواعدهم. ذلك أن الذي يحارب حرب عصابات, مثله كالمسلح- وعند الفلسطينيين كثرة من هؤلاء- لا يواجه الجيش ذا القوة العظيمة في مكان يستطيع هذا الأخير أن يعبر عن قوته. بل يقوم بالهرب ليوجه ضربته في مكان آخر. كانت مخيمات اللاجئين معقلاً للمسلحين, وحبذا لو أن أحدًا لا يوهم نفسه بأن السيطرة المؤقتة أو الدائمة عليها قضت على الإرهاب، أو حتى قللت من قدرته.

قد يكون جيش الدفاع قد انتصر في بلاطة، لكنه لم يقرب الانتصار في هذه الحرب. فالمواجهة مع الفلسطينيين ليست بين جيشين، ينتصر فيها الجيش الافضل. بل هي سفك دماء مستمر ومتصاعد يوجد فيها خاسرون فقط. إن انتحاريًا قاسيًا واحدًا، لا يمكن لشيء أن يردعه، أرجعنا إلى نقطة البداية قبل مداهمة القوات للمخيمات.
( 03/03/2002)