لكن المستوطنين مذنبون

 

من الواضح أن المذنبين بانتشار "الطاعون الاسود" الذي أباد ملايين البشر في أوروبا، في منتصف القرن الـ 14، كانوا اليهود، الذين سمموا الآبار. ومن الواضح أن المذنبين بالفساد والانحطاط الذي هدد سلامة أميركا في الأجواء المكارثية في سنوات الـ 50، كانوا من الكتاب والممثلين أصحاب الميول اليسارية والليبرالية


 
من الواضح، أيضا، أن تهمة تفجير البرجين التوأمين في 11 ايلول/ سبتمبر 2001 ملقاة على إسرائيل، التي أثارت غضب العالم الاسلامي على نفسها وعلى حليفتها أميركا. لكن ما هو أقل وضوحا لماذا توجه الاتهامات للمستوطنين بالمسؤولية عن كل عمليات التفجير التي نشهدها مؤخرًا في كل أنحاء إسرائيل، في هذا الجانب من "الخط الاخضر".

منذ أن ضربت وتزايدت هذه العمليات، التي توقع الضحايا بالعشرات، لا يمر يوم ولا ساعة، الا ويتم توجيه الشتائم والاهانات للمستوطنين، من على كل منصة وعبر كل مايكروفون. ذنبهم على جنبهم. أصحاب الأعمدة الثابتة في الصحف لا يفوتون فرصة الا ويركلونهم، يبصقون في وجوههم، حتى عندما يكتبون عن آخر فيلم شاهدوه، أو عن معرض رسومات في غاليري ما. ناهيك عن المحللين الاقتصاديين، الذين يربطون كل المصائب القادمة علينا، من تخفيض الفائدة وارتفاع سعر صرف الدولار والفقر والبطالة وغيرها، بالمستوطنات، التي تمتص دماء الدولة حتى النخاع. ويمتاز بذلك المغنون والممثلون ومقدمو البرامج الترفيهية المعروفون. انهم يرون لزاما عليهم، تمرير ملاحظة أو أكثر، حول مدى كرههم للمستوطنين.

والآن يدعو ضباط الاحتياط الى رفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي طالما تواصلت حربنا المسماة "حرب سلامة المستوطنات". أي، أن كل عمليات الاغتيال والاغلاق والحواجز والأطواق وغيرها وغيرها، تهدف فقط الى حماية المستوطنات. أما الطموح الحماسي لدى أنصار العدالة الكثيرين في إسرائيل، فهو أن يتم اخلاء المستوطنات بسرعة، فورا، إذا أمكن، وهكذا سيتم وضع حد للصراع البغيض بيننا وبين الفلسطينيين. تعلمنا كتب تاريخ أرض إسرائيل في القرن العشرين، أنه قبل وجود "المستوطنين" لم يمض شهر واحد دون قتل اليهود واغتيالهم بأيدي العرب. لكن المستوطنين هم المذنبون.

ورغم ذلك، هناك أمران غريبان في قضية الاتهام هذه. الأول، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تحدث الغالبية المطلقة من العمليات بعيدا عن المستوطنات وبالذات في مراكز الجمهور الإسرائيلي المكتظة. وثانيا، لماذا لا يطرح الفلسطينيون بأنفسهم، في كل مفاوضات بيننا وبينهم، مطلب اخلاء المستوطنات كمبدأ أساسي في مطالبهم.

هكذا حدث في اتفاق بيلين - أبو مازن، الذي ينطوي على ما يشبه التسليم بوجودها. وكان مثل هذا في اتفاقيات أوسلو وكامب ديفيد. أضف على ذلك أن عرفات صرح خلال لقائه بالصحفيين الإسرائيليين مؤخرا، وبوضوح أنه يمكن للمستوطنين البقاء في أماكنهم، ولكن بشرط حصولهم على المواطنة الفلسطينية طبعا. والحاضر يقول: أن الجهات الوحيدة المعنية، بكل جوارحها، باخلاء المستوطنات نهائيا هم أعضاء اليسار الإسرائيلي. وهذا هو أحد التناقضات الكبيرة في حاضرنا، المليء بالتناقضات.

يوجد ضرورة ملحة لوقف دوامة الدم التي تعبث بنا مؤخرا. وهي لن تتوقف اذا واصلنا الطريق التي اختارتها الحكومة، طريقة توجيه ضربة وراء ضربة وقتل وراء قتل، لأن ذلك لن يضع حدا للامر. دائما سيكون بين مليوني فلسطيني يعيشون تحت الاحتلال، المئات، إن لم يكن الالاف، من هم على استعداد للتضحية بأرواحهم في الحرب ضدنا، سواء كان ذلك عبر العمليات الانتحارية أو الاغتيالات الأخرى.

يجب بذل كل شيء كي نتوصل الى الحوار المباشر، والتوقيع على اتفاق. حتى ان لم يكن في هذا الاتفاق ما يرضي الجانبين، فسينطوي على فرصة لفترة هدوء متواصلة. تفتقر الحكومة طريقا، لا ترشد الى اي مخرج. ولكن لماذا يتم اتهام للمستوطنين؟.
( 03/02/2002)