في كل الجبهات، زعق خبراء الاستخبارات، الجنرالات، "المحللون"،
المستشرقون، المراسلون العسكريون ومثيري المخاوف، بأن الانسحاب سيحمل معه
كارثة رهيبة. لم يحدث أي شيء...
كلما تعمق اتساع المقبرة، كلما بات من المهم أكثر العودة إلى
التذكير، بلا توقف، لماذا وعلى ماذا ومن أجل ماذا وبسبب من تسفك كل هذه
الدماء.
هذه ليست حرب وجود ولا حرب اللامفر، ليست "حرب تحرير ثانية" ولا حرب على
حياة الدولة. إنها حرب على المناطق. حرب بسبب المستوطنات. حرب الذين يصرون
على التمسك بغنائم الأيام الستة، والمستعدين لسفك كل الدماء وارتكاب كل
رذيلة باسم إيمانهم الوثني بقدسية الأرض. إنها حرب حمقاء وجنونية، زائدة
وعديمة الفائدة، فرضت على مواطني إسرائيل وعلى أبناء الشعب الفلسطيني بأيدي
مجموعة صغيرة من المخبولين المتدينين والشوفينيين، اليهود والمسلمين.
بين إسرائيل وبين السلام، بين فلسطين وبين السلام، يقف، فقط، أمثال احمد
ياسين وبيني ايلون من أبناء الشعبين. هؤلاء يريدون فلسطين كاملة، نظيفة من
اليهود، واولئك يريدون أرض إسرائيل الكاملة، النظيفة من العرب. 20 الفا،
وربما 30 ألف متهور ديني وقومي، يجرون معهم عشرة ملايين إنسان إلى الهاوية.
يمكن وقف هذه الحرب الشريرة خلال شهر، خلال أسبوع، خلال يوم. والمطلوب، فقط،
قائد إسرائيلي يفهم، أخيراً، انه لا فائدة من الإصرار على الاحتلال، وانه
لا توجد فرصة واحدة، تساوي حتى واحد إلى المليون، بأن نحقق الراحة قبل وصول
هذا الميراث إليهم. ولأن المنطق والعدالة والأخلاق والتجربة التاريخية
والعبرة اليهودية، تعلمنا بشكل صاف كالبلور، أن مواصلة الاحتلال ومواصلة
استعباد دولة بأكملها لتحقيق هدف ليس ممكناً وليس اخلاقياً بالتأكيد،
يحكمان علينا بالفناء.
وفي المقابل، يمكن وبثقة شبه مطلقة الوعد بأن تقف في اليوم التالي لإنهاء
الاحتلال، وعبر جانبي حدود 67، دولتان سياديتان، وأن يتحقق السلام لإسرائيل
ولإسماعيل.
من لا يصدق، فلينظر إلى الجنوب، لقد مضت 25 عاماً، منذ وافقت إسرائيل على
الانسحاب من الأراضي التي احتلتها من مصر في حرب الأيام الستة، ومنذ ذلك
الوقت، اصبحت الحدود الجنوبية أكثر حدود هادئة عرفتها إسرائيل في تاريخها.
مناطق كاملة مقابل هدوء كامل.
ومن لا يصدق، فلينظر إلى الشرق، منذ توقيع اتفاقية السلام مع الأردن وتسوية
كل الخلافات الإقليمية معها، أصبحت الحدود الشرقية مثلا ناجحاً للهدوء
وللتعاون المشترك.
ومن لا يصدق، فلينظر شمالاً، كان يكفي، فقط، الانسحاب من الأراضي اللبنانية
المحتلة، حتى دون التوصل إلى اتفاق، كي تتوقف الحرب كلها مرة واحدة. وما
زالت جمراتها تشتعل وتطالب بالدماء، فقط، في المكان الذي لم يستكمل فيه
الانسحاب. لقد مضى قرابة عامين على الانسحاب من لبنان، ولا يصل عدد
المصابين خلال هذين العامين، حتى إلى عدد المصابين الأسبوعي، طيلة كل سنوات
الاحتلال. لقد وصل الهدوء غير المسبوق، أخيرا، إلى بلدات الشمال، ايضًا.
فالتحرر من "الحزام الامني"، فقط، هو الذي حقق الأمن.
وعلى كل هذه الجبهات، سمعنا الزعيق العالي لكل خبراء الاستخبارات، الذين
أثاروا خلفهم جوقات من الجنرالات، الخبراء الأمنيين، و"المحللين"
والمستعربين والمراسلين العسكريين، ومثيري المخاوف الذين قالوا إن الانسحاب
سيحمل معه كارثة رهيبة. لم يكن لديهم أي شك بأن المصريين سيخرقوا كل
الاتفاقيات ويجتاحوا سيناء، وأن النقب سيحاصر، وأشكلون ستقصف، وايلات
ستحاصر، وأن بلدات الشمال ستغرق بالكاتيوشا في اليوم التالي للانسحاب، وأن
قناصة حزب الله سيطلقوا النار على غرف الطعام في الكيبوتسات، وأن الحرب
ستدور عند السياج الحدودي.
لم يحدث أي شيء، ولم يسد في كل مكان استكمل فيه الانسحاب إلا الهدوء
والطمأنينة والحياة، ولو طلب إلى كل الخبراء والعارفين بالأمور أكل كل
الورق الذي سجلوا عليه تفاهاتهم، لكانوا ما زالوا منشغلين، حتى الآن،
بالمضغ.
لا مفر من الحقيقة: الاحتلال يفرض الموت والتعفن، ونهايته تجلب الحياة
والأمن. لقد اختبرنا ذلك وجربناه.
لو لم تكن مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة مفروشة بالمستوطنات لكانت دولة
إسرائيل قد تخلصت منها منذ زمن. لو لم تخنع حكومات إسرائيل، المرة تلو
الأخرى، لكل اولئك الدراويش من النواحين والعنيفين الذين يسودهم الاقتناع
بأن هدف قيام الدولة هو تحقيق ما جاء في صفحة ميثولوجية ما، من الفترة
البرونزية، لكان تم توفير حياة المئات والآلاف. لو لم يكن المستوطنون، لكان
السلام قد تحقق.
من أجل ذلك، فقط، من أجل ذلك، يسفك كل هذا الدم. هذه ليست حرب وجود ولا حرب
تحرير ولا حرب دفاع ولا حرب اللامفر. إنها حرب تخدم قطيعا جامحاً وأنانياً
من المهووسين الدينيين (ويساعدهم في ذلك جداً، أمثالهم في الجانب الآخر).
معطيات مذكية
ليس مفاجئاً أن احد الذين يغالون في بلبلة وعي الخليقة، هو بنيامين نتنياهو،
الذي يبدو انه يريد الإبحار على أمواج الدماء كي يرجع إلى المكتب الذي ركل
خارجه. الثقة المتعجرفة لبيبي هي مسرحية شبه سوريالية: في إسرائيل فقط،
يمكن لفاشل بمثل هذه الضخامة والشمولية، أن يعرض نفسه كما لو كان الأمل
الناصع البياض.
هذا الأسبوع، في واحدة من لقاءاته الكثيرة، ألغى بإزدراء تصويري، المبادرة
السعودية، وأعلن ان هدفها كله هو إعادة إسرائيل إلى حدود 67، المعروفة
للجميع انها "حدود غير قابلة للحماية". لقد نعتت هذه الحدود، أيضًا، باسم "حدود
اوشفيتس".
فيما يلي عدة احصائيات مذكية جداً (وشكراً لأمنون هولتسمان الذي وجدها
وأرسلها إلي): طيلة السنوات العشر، بين نيسان 1957 وآذار 1967، السنوات
العشر الفاصلة بين الإنسحاب من سيناء بعد حرب 1956 (حرب القنال) وبين توسيع
الحدود في حرب (صمت) الأيام، سنوات "حدود اوشفيتس" العشر، قتل في العمليات
العدائية 37 مدنيا وجنديا.
في شهر كانون الأول 2001 قتل في إسرائيل 38 مدنيا وجنديا.
شهر واحد في إسرائيل واسعة الحدود، أزهقت أرواح عدد من الضحايا يفوق ما
ازهقته عشر سنوات "الحدود التي لا يمكن الدفاع عنها".
لا خوف أن تؤدي الحقائق آنفة الذكر إلى بلبلة الوعي الحاسم لمن يطالب
بالتاج.