دبلوماسية عداد التاكسي في الجامعة العربية
بقلم : محمود المراغي
 
 
 
قال لي الطبيب المعالج‏:‏أنت تحس بالهزال‏..‏ بعدم القوة‏..‏ بالتراجع في الصحة العامة‏,‏ وليس لذلك كله أسباب فسيولوجية واضحة‏.‏ ربما كانت الحالة النفسية‏..‏ وربما كان المناخ العام‏,‏ فالاكتئاب بات مرضا منتشرا‏..‏ من المحيط إلي الخليج‏,‏ والأسباب معلومة‏.‏ كنت‏,‏ قبلها قد تناولت وجبة العشاء اليومي‏:‏ دماء فلسطينية تملأ الشاشة‏,‏ وعربات اسعاف ممنوعة من نقل الجرحي بعد قصف اسرائيلي وحشي‏,‏ ومشهد اللجرافات وهي تهدم مالم تهدمه الطائرات من الجو‏,‏ أو تقصفه الصواريخ عن بعد‏!‏
في هذه اللحظة تذكرت مصطلحا أطلقه باحث ليبي في دراسة أخيرة منشورة‏..‏ والمصطلح ــ والدراسة ــ تحت عنوان‏:‏ ثقافة العجز‏,‏ التي يري د‏.‏ محمود جبريل ــ صاحب المصطلح ـــ أنها قد باتت سائدة‏,‏ وهي الأخطر علي الاطلاق في حياتنا العربية‏.‏

هل هو الإحساس بالعجز‏,‏ إذن هو ما يصيب الصحة بالتلف‏,‏ ويصيب العقل بالكد والارهاق حتي بات كركاب قطار الصعيد‏,‏ محاصرا بالنيران وعليه أن يهرب قبل أن يتفحم؟‏.‏ هل هو الموت الذي يحاصرنا‏:‏ تلقينا فيه العزاء وكانت ساحته أكثر وسائل النقل أمانا‏..‏ وهو القطار؟‏...‏ أم هو الموت المؤجل الذي ينتظر شعب العراق ونتوسل واشنطن ألا تقسو فيه وهي تضرب للسنة الحادية عشرة علي التوالي؟‏...‏ أم هو الموت اليومي علي أرض فلسطين الذي تستخدم فيه ـــ وفي مفارقة نادرة ـــ أدوات الحرب والجيوش النظامية لاصطياد إمرأة حامل‏,‏ أو طفل يعود من المدرسة‏,‏ أو كوفية في سيارة متنقلة‏..‏ وربما يكون الصيد للصاروخ‏(‏ عابر القارات‏)‏ رجلا ينام في سريره‏,‏ أو شجرة تريد أن تنمو أو دابة تسير علي الأرض‏.‏
إنه الموت علي كل لون‏:‏ فعل ماض‏,‏ وفعل مضارع‏,‏ وفعل مستقبل‏...‏ أما وزراؤنا ــ والذين جاءوا ليقولوا كلمات حكوماتهم في مجلس الجامعة العربية فقد وقفوا دقيقة حدادا علي أرواح الشهداء‏,‏ وأخرجوا بضع عشرات من ملايين الدولارات من جيوبهم فذلك أضعف الايمان

كانت دورة مجلس الجامعة التي تأتي تمهيدا لقمة عربية هي الدورة‏(117),‏ ولأنني مولع بالأرقام فقد توقفت هنيهة أمام هذا الرقم وقلت هل باتت الجامعة العربية‏,‏ ومثلها اجتماعاتنا العربية مثل عداد التاكسي‏..‏ يستمر في العدد‏,‏ لكنها أعداد بلا معني لأن قوة التفاوض بين السائق والراكب هي الحاسمة؟
‏...‏ وهل باتت الأيام والسنوات في حياتنا بلا معني وبلا انجاز نحققه؟‏!‏

إن الموت في فلسطين أكثر بشاعة مما حدث عام‏1948,‏ فلم تكن العصابات الصهيونية حينذاك تمتلك الأباتشي أو الـ‏(‏ ا ف ـ‏16)‏ أو الصواريخ التي تقتل عن بعد‏,‏ وإن كان القاسم المشترك بين ماجري ومايجري‏:‏ رغبة شريرة في سرقة الأرض وابادة الشعب‏..‏ ومعاداة الحياة في كل صورها‏.‏ إنها‏(‏ حرب إبادة‏),‏ وتلك هي الاستراتيجية الجديدة لإسرائيل تحت زعامة قاتل محترف هو‏:‏ شارون‏.‏
ولحرب الإبادة منطقها الذي لاتخطئه العين‏,‏ فشارون يعرف أنه لن يكسب الصراع بالضربة القاضية‏..‏ لكنه ومثل لاعبي الملاكمة يريد أن يكسب نقاطا طوال الوقت‏..‏ فكلما قتل فلسطينيا ــ حتي لو كان طفلا ـــ وكلما هدم منزلا‏,‏ وكلما اقتلع شجرة أجري خصما علي رصيد العدو الفلسطيني‏,‏ وهو خصم ينتهي للمزيد من الخلل في التوازن وبما يتيح لإسرائيل أن تفرض حلا‏..‏ باستمرار الاحتلال‏,‏ أو باجتزاء الأرض والحقوق واعادة الفتات‏.‏ إنه إنهاك الخصم قبل أن يجلس للتوقيع‏,‏ ان كان هناك توقيع أو اتفاق أو رضوخ‏.‏

ألاحظ هنا أن حرب الإبادة والتي تسير بإيقاع متسارع قد تفوق خطرا إحتلال الأراضي‏,‏ رغم أن الاحتلال هو البداية‏..‏
فالأرض قد تعود لكن البشر والأصول المادية والثروات لاتعود‏.‏
إنها حرب في اتجاه واحد نقف أمامها عاجزين‏,‏ ويقف أمامها الفلسطينيون صامدين‏..‏ وذلك هو مفتاح الموقف الذي يطرح علينا السؤال‏..‏ ونحن علي أبواب قمة عربية ـــ‏(‏ ما العمل؟‏)‏

‏***‏
قبل الاجابة علي السؤال‏,‏ وهي إجابة يقدمها ــ كما قلت ـــ عقل مكدود مرهق مثل كل العقول العربية في هذه اللحظة‏..‏ قبل الإجابة لابد أن ندرك أننا أمام مسرح جديد لايحتل فيه الأبطال الذين يملأون الشاشة‏(‏ شارون ــ عرفات‏)‏ موقع الصدارة‏,‏ فالصدارة الآن لكتائب شهداء الأقصي‏,‏ وعز الدين القسام والجهاد والبندقية والطفل الذي يحمل الحجارة‏.‏ الصدارة للشارع الفلسطيني والمعركة تغيرت طبيعتها من حرب سلام في التسعينيات‏,‏ إلي حرب مشتعلة في الحقبة التي نعيشها‏,‏ وهي حرب تدرجت ــ علي الجانب الإسرائيلي ــ من حرب تأديب وتهذيب إلي حرب إبادة وفناء‏..‏ أما علي الجانب الفلسطيني فقد حدثت ثلاثة تطورات‏:‏
‏*‏ تطور أول‏,‏ في نوعية السلاح المستخدم وكثافته فقد سمعنا عن صاروخ فلسطيني الصنع‏,‏ ودونه‏..‏ من ذخائر وأسلحة تقليدية وأسلحة تتصدي للدبابات أمر منطقي‏.‏

‏*‏ وتطور ثان‏,‏ في نوع العمليات فبدلا من الاستشهاد أو الضرب والفرار‏(‏ وهو ماكانت تقوم به جماعات من حماس أو الجهاد‏)‏ بدأ الاشتباك والتصدي للقوات المهاجمة وجها لوجه‏..‏ داخل المخيمات وعلي مداخل القري والطرقات‏.‏
‏*‏ أما التطور الثالث‏,‏ فهو انتقال العمليات من نطاق جماعات رفضت الحل السياسي وأسلوب التفاوض إلي نطاق منظمة فتح التي يتزعمها عرفات‏,‏ وتمتلك ذراع قوة هي كتائب شهداء الأقصي‏.‏

الكل أصبح في واحد‏..‏ والشعب البطل يدفع الثمن وإن كان يزيد إحساسنا ــ نحن العرب ــ بالعجز‏..‏ فماذا نستطيع أن نفعل لشعب يواجه الرصاص بصدور عارية‏..‏ ويواجه الاباتشي والـ‏(‏ ا ف ـــ‏16)‏ ببنادق وآليات محدودة المدي؟
سألتني اذاعة صوت أمريكا‏:‏أما والموقف كذلك‏,‏ فهل من أمل للتسوية ؟‏..‏ وقلت‏:‏ بل إنه وقت التسوية‏,‏ أووقت العمل الجاد لإنجاز سياسي هائل‏.‏ صحيح أن هناك خللا في توازن القوة بين العرب ــ بحالتهم الراهنة ــ وبين اسرائيل‏..‏ وهناك خلل في التوازن بين اسرائيل والفلسطينيين‏..‏ لكن توازنا جديدا ينشأ ويحكم الموقف وهو‏:(‏ توازن الرعب‏),‏ إنه السلاح القديم الذي استخدمه الفدائيون في الجزائر وفي قناة السويس كما استخدمه الفيتناميون‏,‏ وكل هذه الأطراف المقاومة لم تكن تملك قوة تعادل قوة الاستعمار‏..‏

‏..‏ وهذا هو الموقف علي أرض فلسطين المحتلة‏,‏ فالكل في رعب‏..‏ وأول المرتعدين‏:‏ شعب اسرائيل يلعن اللحظة التي أتت بقاتل محترف إلي الحكم‏,‏ وإن كان المزاج الاسرائيلي العام مزاجا دمويا‏.‏
أقول‏,‏ إن الرعب وليس توازن القوة هو مايجعلنا أمام فرصة لتحرير الأرض فكل الأطراف‏,‏ فلسطينية وإسرائيلية وعربية وعالمية تبدي الفزع أمام مايجري‏..‏ بل أن اطرافا غير فلسطينية تخشي من إمتداد الحريق عبر الحدود‏,‏ فحرب الإرهاب في بدايتها عند ضرب مركز التجارة العالمي كانت إحساسا بالظلم وجد معه البعض أن الموت والتضحية بالنفس أهون من حياة تسودها المظالم‏.‏

‏***‏
يعيدنا ذلك المشهد إلي سؤال ماالعمل‏...‏ والإجابة الأخيرة عند شارون‏:‏ التفاوض في ظل إستمرار العمليات‏,‏ وهو أمر يزيد خطورة عن موقفه السابق الذي طلب فيه الهدنة شرطا للتفاوض‏..‏ الآن‏,‏ بات واضحا أن ما يجنيه أي طرف علي مائدة التفاوض هو حصاد ما يجنيه علي الأرض من تكبيد للآخر بأكبر قدر من الخسائر‏.‏
إنها حرب الفناء مرة أخري‏,‏ وإن كانت تنذر بإيقاع أشد وطأة‏..‏
السؤال‏:‏ ماذا نحن فاعلون؟

الفلسطينيون يعرفون طريقهم‏...‏ الحرب والتفاوض في وقت واحد‏,‏ وماقد يحصده عرفات علي المائدة هو نتاج ما يقدمه الرجل العادي من دماء‏..‏ أما نحن فالأمر بالنسبة لنا يختلف لأن واجبنا هو المساندة عن بعد‏(‏ فالجيوش العربية ــ وحتي الآن‏...‏ لن تدخل أرض فلسطين‏)‏ ولأن العمل السياسي سبيلنا‏,‏ وإن لم يسقط اجتماع مجلس الجامعة العربية كلمة‏(‏ مساندة الانتفاضة‏),‏ وبمايجعلنا أمام‏(‏ جدلية‏)‏ المفاوض أم المحارب؟‏..‏ السياسة أم القتال ؟ المبادرات المصرية والسعودية والليبية والتحركان الأمريكي والأوروبي‏...‏
أم القتال في الشوارع والذي يفرض نفسه علي الساحة ولانستطيع أن نعطي له ظهورنا؟

ولا أظن أن هناك تناقضا‏,‏ فقد وقعنا في خطيئة‏(‏ السياسة أولا‏)‏ في التسعينيات‏,‏ وقبل عرفات أن يضع سلاحه خارج قاعة التفاوض قبل أن يدخل إليها‏..‏ فخسر كل شيء‏.‏
بل إنني لا أري تناقضا بين جهد مصري لإيقاف حمام الدم بهدنة يتنفس فيها الأطراف‏,‏ ومبادرة سعودية تأخذ أيضا بمنطق‏(‏ الضربة القاضية‏):‏ حل شامل يرتكز علي فكرة التطبيع العربي مع اسرائيل في مقابل انسحاب كامل وعودة للحقوق الفلسطينية‏..‏ و‏...‏ مع مايحمله اقتراح العقيد القذافي من طرافة حين أطلق كلمة‏(‏ اسراطين‏)‏ علي دولة عربية ــ يهودية يقترحها‏,‏ فإن الفلسطينيين كانوا قد اقترحوا تلك الدولة العلمانية والتي لن تتحقق في ظل التوازن الحالي‏.‏

علي أي حال فإن أحد واجبات المرحلة هو التوفيق بين مايبدو من تناقضات‏:‏ الحرب والسلام‏.‏ السياسة والعنف‏.‏ ايقاف نزيف الدماء وتحرير الأرض‏.‏ التكتيكي والاستراتيجي‏,‏ وكلها أمور لايتسع لها المقام‏,‏ وإن كان واجب العقل المكدود أن يقول لنا‏,‏ والقمة علي الأبواب‏,‏ ماالعمل‏..‏ وماهي ترجمة ما نقوله‏:‏ مساندة الانتفاضة‏..‏ أي مساندة ذراع القوة الفلسطيني؟
الدعم المالي كما تقرر أمر واجب‏,‏ والتحرك السياسي ــ كما يحدث ـــ أمر مهم‏..‏ لكن ذلك لايكفي فدعم الانتفاضة ــ أي الاقتراب من هدف التحرير ـــ له أكثر من وسيلة‏..‏ المنطق المطلوب‏,‏ وفي ظل غيبة الجيوش العربية‏,‏ هو المنطق الذي يطرحه شارون‏(‏ الخصم والإضافة‏)..‏ ولكنه خصم ــ هذه المرة ـــ من القوة الإسرائيلية والمساندة الأمريكية لتل أبيب واضافة للقوة الفلسطينية علي الأرض وفي المجال الاقليمي والدولي‏.‏

وقد يتطلب النيل من قوة اسرائيل‏(‏ الخصم‏)‏ الضغط من أجل موقف أمريكي وموقف اسرائيلي يزيح شارون من الساحة ويشل يده‏...‏ أما أساليب الضغط فهي متعددة إبتداء من حرمان اسرائيل مما جنته من ثمرات سلام في الفترة الماضية وتطبيع سياسي واقتصادي‏..‏ وامتدادا التفعيل سلاح المقاطعة طبقا لقرارات الجامعة العربية وبما يمس إسرائيل وأطرافا أخري‏...‏ وصولا للتلويح للولايات المتحدة بأن حرب المصالح في كفة وحرب الإبادة في كفة‏.‏
‏...‏ وعلي الجانب الآخر‏,‏ جانب الإضافة للقوة الفلسطينية فإن أول ما يتبادر للذهن ونحن نتحدث عن دعم الانتفاضة سؤال يطرح نفسه‏:‏ هل نزودهم بالسلاح‏..‏ هل نفتح باب التطوع للشعوب العربية؟‏..‏ هل نكتفي بجهد جانبي لرعاية أسر الشهداء والانفاق علي الهلال الأحمر الفلسطيني واستقبال الجرحي‏,‏ وهي جهود ماضية وان لم تأخذ الحجم الكبير؟

كل ذلك مطروح وشرط التزويد بالسلاح أن أي دولة تفتح الحدود مع فلسطين بهذا المعني‏,‏ عليها أن تكون قادرة علي صد أي عدوان أو عمليات تحرش اسرائيلية‏,‏ أي أن تكون طرفا في الصراع‏,‏ وليست مجرد شاهد عليه‏.‏
من هنا أقول إن القمة العربية المقبلة لابد أن تكون مختلفة‏,‏ وعداد التاكسي الذي تعلقه اجتماعات الجامعة العربية علي اجتماعاتها لم يعد يقول شيئا‏.‏ إنها مثل حكايات ألف ليلة‏..‏ وهذه‏(‏ مجرد الليلة العاشرة بعد المائة‏).‏

المطلوب عمل حاسم يتفق مع خطورة اللحظة‏,‏ كما يتفق مع مقام المجتمعين في بيروت وهم رؤساء دول ورؤساء حكومات ووزراء وكبراء‏.‏
والمطلوب أن ندرك أنه ــ وفي السياسة ــ لاتوجد مواقف أو مناسبة مجانية‏..‏ إذا أردنا أن نضيف لرصيد الفلسطينيين أو نحذف من رصيد الاسرائيليين فلابد أن نقدم الثمن‏..‏ وجزءا منه سوف يكون في مواجهة واشنطن بالضرورة‏.‏

لابد أن نخسر‏..‏ لكي نكسب‏,‏ وقد تكون الفاتورة كبيرة لكن الاستسلام يعني خسرانا أكثر‏,‏ فنحن في عالم يحترم الأقوياء وليس المستضعفين‏..‏
يحترم ثقافة المقاومة وليست ثقافة العجز‏..‏ مرحلة اللحم العربي المستباح لابد أن تنتهي‏,‏ والرؤوس العربية لابد أن ترتفع‏,‏ فكفي انحناء ويأسا وبؤسا‏..‏ هكذا يقول لنا الشهداء‏,‏ وهكذا تقول لنا وجبة العشاء كل يوم‏:‏ وجبه من دماء وعظام وأشلاء بشرية‏!‏

‏)‏ الضغط من أجل موقف أمريكي وموقف اسرائيلي يزيح شارون من الساحة ويشل يده‏...‏ أما أساليب الضغط فهي متعددة إبتداء من حرمان اسرائيل مما جنته من ثمرات سلام في الفترة الماضية وتطبيع سياسي واقتصادي‏..‏ وامتدادا التفعيل سلاح المقاطعة طبقا لقرارات الجامعة العربية وبما يمس إسرائيل وأطرافا أخري‏...‏ وصولا للتلويح للولايات المتحدة بأن حرب المصالح في كفة وحرب الإبادة في كفة‏.‏
‏...‏ وعلي الجانب الآخر‏,‏ جانب الإضافة للقوة الفلسطينية فإن أول ما يتبادر للذهن ونحن نتحدث عن دعم الانتفاضة سؤال يطرح نفسه‏:‏ هل نزودهم بالسلاح‏..‏ هل نفتح باب التطوع للشعوب العربية؟‏..‏ هل نكتفي بجهد جانبي لرعاية أسر الشهداء والانفاق علي الهلال الأحمر الفلسطيني واستقبال الجرحي‏,‏ وهي جهود ماضية وان لم تأخذ الحجم الكبير؟

كل ذلك مطروح وشرط التزويد بالسلاح أن أي دولة تفتح الحدود مع فلسطين بهذا المعني‏,‏ عليها أن تكون قادرة علي صد أي عدوان أو عمليات تحرش اسرائيلية‏,‏ أي أن تكون طرفا في الصراع‏,‏ وليست مجرد شاهد عليه‏.‏
من هنا أقول إن القمة العربية المقبلة لابد أن تكون مختلفة‏,‏ وعداد التاكسي الذي تعلقه اجتماعات الجامعة العربية علي اجتماعاتها لم يعد يقول شيئا‏.‏ إنها مثل حكايات ألف ليلة‏..‏ وهذه‏(‏ مجرد الليلة العاشرة بعد المائة‏).‏

المطلوب عمل حاسم يتفق مع خطورة اللحظة‏,‏ كما يتفق مع مقام المجتمعين في بيروت وهم رؤساء دول ورؤساء حكومات ووزراء وكبراء‏.‏
والمطلوب أن ندرك أنه ــ وفي السياسة ــ لاتوجد مواقف أو مناسبة مجانية‏..‏ إذا أردنا أن نضيف لرصيد الفلسطينيين أو نحذف من رصيد الاسرائيليين فلابد أن نقدم الثمن‏..‏ وجزءا منه سوف يكون في مواجهة واشنطن بالضرورة‏.‏

لابد أن نخسر‏..‏ لكي نكسب‏,‏ وقد تكون الفاتورة كبيرة لكن الاستسلام يعني خسرانا أكثر‏,‏ فنحن في عالم يحترم الأقوياء وليس المستضعفين‏..‏
يحترم ثقافة المقاومة وليست ثقافة العجز‏..‏ مرحلة اللحم العربي المستباح لابد أن تنتهي‏,‏ والرؤوس العربية لابد أن ترتفع‏,‏ فكفي انحناء ويأسا وبؤسا‏..‏ هكذا يقول لنا الشهداء‏,‏ وهكذا تقول لنا وجبة العشاء كل يوم‏:‏ وجبه من دماء وعظام وأشلاء بشرية‏!‏