مخيمات اللاجئين لم تختف

 

يصعب الفهم كيف اعتقد الناس العقلاء ان 20،000 لاجئ في مخيم بلاطة سينسوا بيوتهم في هرتسليا (سيدنا علي) وفي نتانيا (أم خالد) او في رمات أبيب (الشيخ مونس)، فقط لأن الجيش الاسرائيلي خرج من أزقتهم...


 
قبل ما يبدو الآن وكأنه ألف سنة، فرح أنصار اتفاق أوسلو، فرحاً كبيراً لخروج إسرائيل من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، في إطار "عملية السلام". ما الذي نبحث عنه في بلاطة وفي الدهيشة، قال المحللون الذين لم يفهموا شيئا. أخيرا، تخلصنا من جباليا والبريج والشاطئ والنصيرات، تنفس السياسيون المتباهون الصعداء، وهم يعدون أسماء المخيمات ويصبون جام غضبهم، كما لو أن المقصود أوبئة قاتلة، نجحوا هم بصدها بعملهم الكاذب.
ويتضح الآن أن المخيمات لم تختف مع خروجنا منها: لقد بقيت تماما في الأماكن التي تركناها فيها، بأخشاشها البائسة وباكتظاظها المهين. وبدل أن ينسانا سكانها، فقد تعمقت ضائقتهم وازدادت بواعثهم على المس بالاسرائيليين. لم تفعل السلطة الفلسطينية أي شيء لتأهيل اللاجئين أو لتحسين ظروفهم المعيشية، إنطلاقا من السبب ذاته الذي جعل الدول العربية لا تفعل ذلك بعد 1948، ورفضها منذ ذلك الوقت، كل محاولة دولية لحل المشكلة. من المريح لأعداء إسرائيل إبقاء اللاجئين في الأزقة المضغوطة حتى لمدة 54 سنة أخرى، شريطة أن يواصل هؤلاء إثارة شفقة العالم والخدمة كمنفذي عمليات – انتحاريين في الحرب ضد الكيان الصهيوني الذي اقتلعهم من أرضهم.

ويبدو أحيانا، انه من المريح لإسرائيل، أيضًا، إبقاء اللاجئين على حالتهم وامتصاص إرهابهم، على طرح مسألتهم في مقدمة جدول الأعمال الدولي ومواجهة مسؤوليتها عن حقيقة لجوئهم. لم يطلب قادتنا، حتى في أيام "العملية السلمية"، مناقشة حل مسألة اللاجئين كجانب من الاتفاق الرائع، وبدا كأن إسرائيل قدرت ان مشكلة اللاجئين ستحل من تلقاء نفسها، بشكل ما، عندما يحل السلام والتفاهم. ولكن في الوقت الذي عمل فيه قادة من إسرائيل على إتخام المؤمنين باوسلو بنبوءات خيالية حول كيف يوشك الفلسطينيون على الاكتفاء بدولة منزوعة السلاح ومجردة من التوابل السياسية، تكون قطعتها الصغرى الأولى في الضفة وقطعتها الصغرى الثانية في قطاع غزة، في هذا الوقت، أجرت منظمات فلسطينية استطلاعات للرأي واكتشفت أن 9% فقط من اللاجئين مستعدون للتنازل عن حق العودة مقابل التعويضات. ورفع آلاف المتظاهرين في المخيمات لافتات تحمل أسماء مدنهم وقراهم السابقة، وحذروا عرفات من خرق الثقة وجسدوا هذه التحذيرات عبر إطلاق النار في الهواء وترديد هتافات ايقاعية: "حيفا، يافا وعكا تنادينا"، وأعلنوا بشكل واضح: "مبدأ حق العودة هو الخط الأحمر الذي لا تنازل عنه، كل انحراف عن هذا المبدأ سيعتبر خيانة قومية".

يصعب فهم كيف طرأ في ذهن الموقعين على اتفاق أوسلو، انه يمكن لإسرائيل أن تخرج ببساطة من قطاع غزة، ولا تسمع بعد ذلك عن المليون لاجئ الذين ينضجون وراء حدودها، ببشاعتهم وكراهيتهم. يصعب الفهم كيف اعتقد الناس العقلاء ان 20،000 لاجئ في مخيم بلاطة سينسوا بيوتهم في هرتسليا (سيدنا علي) وفي نتانيا (أم خالد) او في رمات أبيب (الشيخ مونس)، فقط لأن الجيش الاسرائيلي خرج من أزقتهم. لكن أكثر ما يصعب فهمه، الآن أيضًا، بعد أن تكشف أمام الجميع حجم تلك الحماقة، كيف ما زال هناك، بين اليسار وبين اليمين، من يؤمن انه بمقدور إسرائيل تحقيق أي هدوء وأي أمن، دون توطين اللاجئين الفلسطينيين من جديد.

ليس المقصود "طردهم"، إذ أن المليون ونصف المليون لاجئ فلسطيني الذين يعيشون في الضفة والقطاع، قد طردوا من بيوتهم قبل أكثر من 50 سنة. لقد آن آوان تخليصهم وتخليصنا من لجوئهم العضال، عبر إعادة توطينهم، وإذا كانت هناك مبادرة أميركية، سعودية، أوروبية، أو حتى من قبل ميرتس، لإحلال السلام في منطقتنا، فإنها يجب أن تبدأ من هذه القضية.
( 06/03/2002)