هوس الكآبة الإسرائيلية

 

تعلمنا التجربة أن الحكام العرب لم يتوصلوا إلى اتفاق جدي مع إسرائيل إلا بسبب انعدام الخيار...


 
تسود الجمهور، في الأيام الأخيرة، مشاعر الكآبة والوهن، وحتى اليأس من الأوضاع في الدولة. صحيح أننا نعايش موجة إرهابية فظيعة، غير مسبوقة في قساوتها، لكنه لا مكان للمشاعر آنفة الذكر.

يبدو أن جمهورنا يعاني نوعاً من هوس الكآبة في كل ما يتعلق بما يحدث. في سنوات أوسلو أقيمت لدينا إحتفالات التمتع بانتهاء عهد الحرب، بينما كان في ذلك الوقت، بالذات، مكان للقلق العميق، بسبب الخداع في كل ما يتعلق بالعلاقات الحقيقية مع الفلسطينيين والعرب. لقد رغبنا، جدا، بالسلام وبالاستقرار في المنطقة، إلى حد تجاهلنا فيه دلائل البشائر السيئة. أما الوضع اليوم، فهو عكسي: كآبة عميقة، شخصية وجماعية، في وقت يمكننا أن نجد فيه دلائل تبشر بالخير.

تعتبر إسرائيل واحدة من الـ25 دولة غنية في العالم، ويصل حجم ناتجها القومي الخام، إلى 114 مليار دولار سنويا، وهو حجم يضاهي ناتج كل الدول العربية المجاورة، في آن واحد (الناتج القومي السنوي لدى الفلسطينيين يصل إلى 2.5 مليار، والأردن 9 مليار ولبنان 18 مليار ومصر 83 مليار). أما من حيث حجم الناتج للفرد الواحد، فقد تجاوزت إسرائيل دول اليونان والبرتغال وإسبانيا، وليست بعيدة عن المستوى الايطالي والفرنسي والبريطاني. وتتمتع مرافقها الاقتصادية بالثبات، رغم كل شيء. صحيح أنها تواجه البطالة وأن أوضاعها الاقتصادية صعبة، لكنه حتى في هذه الأيام، لا يهرب رأس المال الإسرائيلي إلى الخارج، حسب شهادة العميد كلاين. المستقبل سيكون من نصيب إسرائيل: فباستثناء اميركا، تقف إسرائيل في مقدمة دول العالم في كل ما يتعلق بالتجديدات في مجال الصناعات الدقيقة ومشاريع الإنترنت، وهو المجال الذي يمكنه العودة إلى الازدهار، قريبا.

إذا كنا نتخوف من الحرب الشاملة – فيجب أن نعرف، انه لا يوجد أي نظام عربي في الشرق الاوسط كله، معني بالخروج إلى الحرب ضد إسرائيل، ولا حتى العراق. لا يمكن لأي دولة عربية السماح لنفسها بتمويل حرب كهذه، لأنها تغرق كلها في ضوائق إقتصادية كبيرة. الكثيرون في المنطقة يفهمون ان الشغب الفلسطيني ليس مشكلة إسرائيلية فقط، وإنما مشكلة تواجه الجميع: لا توجد سياحة ولا عمل ولا استثمارات اجنبية. وخلافا للانطباع السائد في وسائل الإعلام الدولية، فان الحركة الإسلامية تمر في مرحلة هبوط في العالم العربي، لأن رسائلها باتت تفهم أكثر فأكثر على أنها مضللة للجماهير.

لقد حققت الانتفاضة الفلسطينية تكافلاً إجتماعيا في إسرائيل، لم نعرف مثله منذ سنوات كثيرة. هذا لا يعني أنه تم حل المشاكل، لكنه يسود الشعور العميق بوحدة المصير التي تمنع المزيد من التقاطب. وهذا لا يعني انه يجب عدم الاحتجاج ضد الحكومة الواهنة التي لا تجد طريقها، لكنه من الواضح لكل واحد، اليوم، ما هي الخطوط التي يمنع تجاوزها في العلاقات الاجتماعية. وهذا يعني انه اذا كان هناك من بين العرب، من آمل تفسيخ المجتمع الإسرائيلي، فقد حصل على نتائج عكسية.
الجدار الفاصل، الذي سيقوم في نهاية الأمر، سيحرس إسرائيل مستقبلا، من ناحية ديموغرافية، وسيحفظ هويتها كدولة يهودية راسخة. وسيمنع، خلافا لما حدث في ايام أوسلو، غمرها بالفلسطينيين، الذين يتسللون من العالم الثالث إلى العالم الأول، في سبيل العمل والبقاء والتوطن.

وفي النهاية، تعلمنا التجربة أن أي واحد من الحكام العرب لم يتوصل إلى اتفاق جدي مع إسرائيل إلا لانعدام الخيار. هكذا كان مع السادات عندما لم يعد بإمكان مصر توفير الخبز للجماهير، ومع عرفات بعد حرب الخليج، ومع الحسين بعد أوسلو، ومع بشير الجميل في الحرب الأهلية اللبنانية. ونفترض أن هذا هو ما سيحدث هذه المرة، أيضًا. عملية أوسلو لم تقد الاطراف إلى الاعتراف المتبادل، فربما يكون حمام الدماء، بالذات، هو الذي سيجلب الفلسطينيين، والإسرائيليين، أيضا، الى الفهم بأنه لا خيار آخر أمامهم إلا الاعتراف بحقوق بعضهما البعض، على طريق المصالحة والهدوء.
( 07/03/2002)