|
المستشار لم يفهم والكنيست لم تقم بوظيفتها |
|
أقوال عزمي بشارة لم تكن أكثر فظاعة من أقوال الحاخام عوفاديا يوسيف، الذي لم يتجرأ أحد على تقديمة للقضاء. |
| لقد سن قانون حصانة أعضاء الكنيست في سنة 1951 حين كان وضعنا
الأمني أكثر سوءاً مما نحن علية اليوم. ومن الصعب اتهام دفيد بن غوريون، رئيس
الحكومة الأول، بأنه كان "ليبرالياً ساذجاً وطيباً". لكن بن غوريون وجميع أفراد
القيادة الإسرائيلية آنذاك، فهموا أنه لن يكون هناك نظام ديمقراطي إلا إذا ُضمنت
لأعضاء الكنيست حرية العمل والتعبيرأكثر من الحرية المعطاة للمواطن العادي. اتضح خلال السنين ان الكثير من أعضاء الكنيست أساؤوا استغلال حصانتهم (فقط في سنة 1983 تم إلغاء حصانة أعضاء الكنيست فيما يتعلق بمخالفات السير). وكذلك كانت هناك حالات مخجلة لأعضاء كنيست رفض زملاؤهم رفع حصانتهم بسبب مخالفات جنائية عادية. مثلا كانت هناك قضية شلومو عمار (الذي اتهم بالتنصت السري) ورافئيل بنحاسي (الذي اتهم بتقديم تقارير كاذبة). إن قضية عزمي بشارة، الذي رفعت حصانته في الأسبوع الماضي مختلفة تماماً وسيحاكم على تصريحات سياسية. صحيح أن المستشار القضائي للحكومة ألحق بذلك تهمة سخيفة (مساعدة مواطنين إسرائيليين بالدخول إلى دولة معادية دون أن يتم تقديم هؤلاء المواطنين إلى المحاكمة)، ولكن من الواضح ان التهمة الاساسية ضده تستند إلى أقوال مدح لحزب الله من خلال خطابين ألقاهما في أم الفحم والقرداحة. إن بعض أقوال بشارة لا تختلف من حيث الجوهر عن أقوال أدلى بها خبراء وسياسيون إسرائيليون في أعقاب انسحاب جيش الدفاع الإسرائيلي من لبنان. ومن الصحيح ان الجزء الآخر من أقواله مثيرة للغضب ولكن جوهر الديمقراطية يستند الى ضمان حق كل إنسان بالإدلاء بتصريحات تغضب وتثير آخرين. وهذا صحيح - وربما بالأساس أيضاً – عندما تغضب الأقوال الغالبية العظمى من الجماهير. وهو صحيح أيضاً حين تصدر هذه الأقوال عن عضو برلمان إنتخب بصورة ديمقراطية وشرعية. كان يجب على المستشار القضائي للحكومة ان يفهم هذه الأمور وأن يصمد أمام الضغوط السياسية وأن يسد الطريق أمام محاكمة بشارة. وعندما لم يفعل ذلك، كان على الكنيست ان ترفض رفع حصانته وبذلك تقوم بإحدى وظائفها الهامة جدا - وهو تربية المواطنين على الديمقراطية. اثبتت أغلبية الأبحاث عن الأنظمة الديمقراطية أن القيادة أكثر ديمقراطية من المواطنين ولا يمكن ان نتوقع من المواطن العادي ان ينادي بحرية التعبير في الوقت الذي يتبع فيه أعضاء البرلمان الأفواه سياسة كم الأفواه. من جانب أخرنقتبس هنا أقوال رئيس المحكمة العليا، القاضي أهارون باراك، "الديمقراطية ليست وصفه طبية للانتحار" . هذه حقيقه ثابته، ولكن منح حرية التعبير لعزمي بشارة وامثاله أبعد ما يكون عن وصفه للانتحار. بل بالعكس: إن منع بشارة عن الكلام هي وصفه جيدة لانهيار الديمقراطية الإسرائيلية التي هي أبعد ما تكون بوضع لامع وممتاز، وخاصة بسبب ألاعيب وفساد معظم اعضاء الكنيست. إن تقديم بشارة للمحاكمة يحتاج إلى اقناع بمستوي شبه اليقين بأن أقواله أدت إلى أعمال عنف ، ولا أصدق ان احداً يفكر بجدية بذلك الأمر. ومن ناحية "التحريض" او" التشجيع للعنف" فإن أقوال عزمي بشارة ليست أكثر خطورة من عدة تصريحات أدلي بها عوفاديا يوسف، الذي رغم انه لا يتمتع بحصانة رسمية، الا انه من الواضح للجميع ان احداً لم يجرؤ على تقديمه للمحاكمة (وبالمناسبة حقا ليس هناك ضرورة ومبرر لتقديمه للمحاكمة). إن اعضاء الكنيست الذين صوتوا لصالح رفع الحصانة عن بشارة ألحقوا ضرراً بالغاً بروح الديمقراطية. وللأسف الشديد، لا مناص من الاستنتاج بان تصويتهم يثبت ان الجميع في نظام الحكم الإسرائيلي متساوون في مجالات مثل حرية التعبير وحصانة أعضاء الكنيست، ولكن العرب لا يتمتعون بهذه المساواة. |
| ( 2001-11-12) |