الطوبة الأولى

 

يمكن لشارون أن يرى من شباك غرفة نومه في منزل رئيس الحكومة الرسمي في القدس ما تبقى من مقهى "مومينت"، بعد العملية الدامية التي وقعت هناك، مساء السبت...


 
لقد كان سكان هذا المنزل، رؤساء الحكومة السابقين، شهود عيان على مشاهد قاسية وقعت على مداخل الطرق المؤدية إلى المسكن الوزاري. لقد شاهدوا التظاهرات الغاضبة لليمين واليسار، وتسللت أصوات المتظاهرين عبر أسوار المنزل، التي تزايد ارتفاعها مع مرور السنوات. لقد كان عرفات هناك بشكل دائم، تقريبا: في تظاهرات اليسار ضد مناحيم بيغن خلال حرب لبنان، وفي تظاهرات اليمين الذي اتهم اسحاق رابين بتسليم أجزاء من أرض إسرائيل.

لقد وصل رسل عرفات، مساء السبت، إلى شارع بلفور، حاملين رسالة رهيبة. لم يتواجد شارون في المنزل، لكنه استوعب الرسالة: يتحتم علينا إجراء مفاوضات تحت وطأة النيران. أو حسب ما قاله وزير كبير: "لقد وصل الغليان حدا جعل الثرموستات ينفجر في وجوهنا".

يوم أمس، تحول شارون يساراً: كان يكفي الإصغاء إلى بيرس الذي قال إن التفاهمات مع أبو العلاء هي القاعدة لاستناف المحادثات مع الفلسطينيين، كي نتوصل إلى الاستنتاج بأن شارون يتمسك ببيرس كالغريق في بحر عاصف. شارون يبحث عن كل السبل لوقف النار، ولذلك فقد حصل بيرس على حبل طويل.

لقد كان ممثلو اليمين هم أول من قرر القفز من سفينة شارون، إذ ليس لديهم ما يخسرونه. لقد أراد ناخبوهم رؤيتهم خارج الحكومة، وكلما حاول شارون إرضائهم كلما طرحوا مطالب جديدة. لقد ترك ليبرمان وإيلون الحكومة بضغط من ناخبيهم الذين كانوا في السابق رأس الحربة السياسية لشارون في حكومات الليكود. ويقول ليبرمان إن "شارون يسير مع اليسار، وطالما أن التوجه يساري، فالأصل إذاً، أفضل من التقليد".

لكن سخرية الأقدار هي أن شارون، مثل عرفات، لم يتخذ قرارًا استراتيجيًا ولم يتبن مخطط كلينتون أو ما تم الاتفاق عليه، في حينه، في طابة. قراره التنازل عن أيام الهدوء السبعة هو قرار تكتيكي في جوهره. من المحتمل انه يقدر بأن عرفات لن يفعل حتى أقل ما يمكن ولن يقود إلى تقليل العمليات، وعندها سيتواصل الضغط العسكري على السلطة.

وما حدث لشارون، حدث لمن سبقه: لقد تحرك الواقع بوتيرة فاقت مقدرة القادة على استيعابه واتخاذ القرارات المطلوبة، في الوقت المناسب. وما كان يمكنه أن ينجح، قبل نصف سنة، لم يعد عمليا اليوم. ويمكن التقدير، على هذه الخلفية، بأن شارون سيواصل الهبوط في استطلاعات الرأي، التي حسمت، كما يبدو، مصير ولايته.
( 11/03/2002)