منطق لبنان

 

لا يمكن المس بحق اسرائيل في ضرب منفذي العمليات من داخل مناطق السلطة الفلسطينية. حيث كان مقتل زئيفي عملا اجرامياً وخطيراً على نحو خاص. وذلك بسبب الرمزية التي ينطوي عليها هذا العمل. والسؤال هو كيف يجب ان يتم الرد وما هي النية التي تقف وراء الرد. ان التوغل الجارف لمدن الضفة الغربية ولغة الخطاب المرافقة له تذكرنا بمنطق اجتياح لبنان عام 1982.

 
انذاك ايضا لم تكن حكومة لبنان – الموازية للوهلة الاولى, للسلطة اليوم – الهدف بل كان الهدف هو الارهابيين, حينها كانت النتيجة، الغوص في الوحل والدماء لمدة 20 سنة واستبدال نوع الفدائيين- منظمة التحرير الفلسطينية- بنوع اقسى منه بكثير: حزب الله. هذه النتيجة ستتكرر هذه المرة ايضا, من خلال تسلط كل من حماس والجهاد الاسلامي على مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة.

هنالك عدد من وزراء الليكود لا يخفون هذه النية ظنا، منهم ان انهيار السلطة الفلسطينية واستبدالها بسلطة حماس يفيد الكفاح الاعلامي الاسرائيلي. ان الحماس الحربي يعبر عن قصر نظر, ينذر بالكارثة. صحيح ان السلطة هي جارة مثيرة للمشاكل وليست محل ثقة, ولكنها الاطار الذي سنضطر للتوصل معه الى تسوية، عاجلا ام اجلا, حتى وان كان الحديث يدور حسب رأيي عن تسوية دولية مفروضة عليها.

من على الارض المحروقة في الضفة الغربية ومن داخل الفراغ السياسي الذي يؤدي اليه انهيار السلطة, ستظهر منتصرة المنظمات الاجتماعية والميدانية كحماس , والجهاد الاسلامي والعناصر الاكثر تطرفا في فتح مثل التنظيم.

خلافا لحماس والجهاد الاسلامي- الحليف الايديولوجي لبن لادن – ثبت ان السلطة الفلسطينية تعمل من منطلق راي سياسي معين. ومن منطلق الاصغاء للراي العام العالمي. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما انضم عرفات - صحيح انه انضمام ساخر وتكتيكي الى الائتلاف الامريكي, ولم يكن ليعمل على تقليل العنف بصورة كبيرة, الى ان جاء مقتل الوزير زئيفي واعاد الوضع الى المسار الدامي. لن يتحقق هدف آخر للاجتياح العسكري : اجبار عرفات على شن حرب اهلية ضد المنظمات الاسلامية. عرفات لن يدخل الى هذا المسار الدامي قبل ان يرى خطة للحل السياسي.


حكومة شارون ولدت من ادعاءات وهمية, لانه لا توجد لها صيغة سحرية للسلام والامن. ان الثمن الدامي في الاشهر الاخيرة هو دليل تقشعر له الابدان, لعدم وجود حل عسكري لثورة وطنية. بالنسبة لشعار السلام الذي قاد شارون الى السلطة، من الجدير بالذكر انه منذ يوم اقامتها , لم تعمل حكومة شارون على دفع خطة سياسية معينة, بقدر ما تنشغل في محاولات يائسة لخنق مبادرات سياسية يطرحها الاخرون, ومنح حق الفيتو المطلق لكل من يطلق النار ولكل من ينفذ عملية, ضد فرصة الخروج من هذه الدائرة الدامية. هكذا تبدو النية الاساسية " للبننة " الخطيرة التي من الممكن ان يؤدي اليها التدهور الحالي: قتل المبادرة الامريكية في ظل خلاف شديد.

لقد آن الأوان لان يعرف حزب العمل بانه لا يوجد لهذه الحكومة افق سياسي – وفي اعتقادي، لم يكن لها ابداً- وعليها ان تقود، من خلال المعارضة، بديلا, يوقف التدهور نحو الحرب الشاملة.
( 2001-10-23)