يوميات حجر فلسطيني

 

 

السبت:

صباحا، افقت باكرا، رغم اني لم استلق لحظة. كانت ليلة عاصفة، جرحت فيها من الاسرائيليين العشرات. يفاجئني كيف يرتعدون حين يرونني مجنحا، فيتحصنون في الملاجئ. صارت لي سمعة الرصاصة وكرامتها.

الاحد:

امضيت عمري في الشوارع. لست حجرا ابن عائلة كريمة، ولا يقتنيني احد في بيته. اسمع عن حجارة كريمة، من الزمرد والياقوت والماس، لكني لم ارها مرة. فأنا حجر كادح، وأصلي من صخرة مهجورة.

انا للجميع، يحملني شاب من "كتائب الاقصى" او "عز الدين القسام". يحملني الولد الصغير، وتحملني العجوز التي تتكئ على عصا. ولا ارد طلبا، لأني اعرفهم جميعا. فنحن اولاد حي واحد. اعرف قبضاتهم جميعا. من يشد عليّ ويرميني بعزم. ومن يرميني بيد مرتجفة، اساعده واقذف نفسي بنفسي.

الاثنين:

احسن ما فيّ ان استخدامي لا يحتاج الى تدريب او تعليم. يستخدمني الأميّ والمتعلم. والضعيف والقويّ. واهل الضفة واهل غزة واهل نابلس وحيفا ورام الله والجليل. ليس فيّ زناد، ولا انفجر في من يحملني، ولا رائحة بارود تطلع مني. واعرف طريقي الى وجوههم فورا.

الثلاثاء:

نحن الحجارة لا نتعاطى بالسياسة. لكني اعرف من تجربتي ان بني صهيون لا يخافون الا منا. وحين نبدأ بالتساقط، زخّات زخّات، يطلبون قوات اضافية، ويتصايحون كالقطط.

الفلسطينيون يثقون بنا. يؤمنون بأننا لا نخون. اذا امسك بنا اسرائيلي، نهوي ارضا. نتظاهر بالاغماء. لا نطير الا مسافة متر او مترين. نحيد عن الوجوه والرؤوس. نتحاشى ان نصيب. فنحن، في النهاية، حجارة فلسطينية. ومن قال ان الحجر بلا اصل او ذاكرة؟

الاربعاء:

تركوني سنوات. قالوا ان الاتفاقات تمنع استخدامي. لم اعد ارى الشباب الذين تربيت معهم. كبروا. سافروا. اشتغلوا. وانا متروك وحدي في الشارع.

كنت اقول لكم انكم ستعودون. لم يصدقني كثيرون. نظفوا الشوارع مني. قالوا ان السلام مع اسرائيل ينص على مدينة بلا احجار. لكنهم اليوم صدقوني. وانا مسرور.

الخميس:

المواجهات مندلعة. لا وقت عندي اضيّعه. يجب ان يعرفوا أني، انا الحجر، أرفع رؤوسهم في العالم. وان بلدا بلا حجارة بلد بلا روح، ولا تاريخ ولا مستقبل.

انا الحجر سأبقى في الخدمة حتى أحضر ولادة دولتكم. حينها اقبع في اساسات بيوتكم، وانام ملء جفوني. واجلس، في الشتاء، اروي لاحفادكم ما فعلنا، انتم وانا، ذات ايلول ابيض.

الجمعة:

... واذّن المؤذن، يوم الجمعة، فاقفل الحجر دفتره، وانبطح في الشارع.

جورج ناصيف