لا تبيدو المزروعات

 

...وبفقدان الحالة القانونية للبلدات البدوية، وبفقدان مصادر الرزق والشروط الحياتية، ولو أبسطها، يحيا البدو بين الصدوع، وأحيانا في مساحة القانون الرمادية غير الواضحة


 
انطلق هذا الأسبوع المئات من أطفال النقب وهم يغنون "طرب في القلب وسكة في اليد"، وبأيديهم أشتال لغرسها في عيد الشجرة. ففي هذه السنة الاحتمالات جيدة لأن تنجح الأشتال وتتجذر، وربما أثمرت وأحدثت الظل في المستقبل. فبعد سنوات متتالية من القحط، يبدو أن في هذه السنة يتوقع للنقب ازدهار. وقد لون المطر الغزير والمتواصل الأراضي بأخضر خلاب. وجعلت هذه النعمة، قصيرة الأجل، الهضاب المقفرة تشابه منظرا اسكتلنديا. فبعد فترة قصيرة سينتهي هذا الشتاء النادر ويتقد النقب من جديد باصفرار متوهج.

إن الأولاد الذين انطلقوا لغرس الأشتال هو أولاد اليهود. وفي المقابل فإن أولاد البدو سيشاهدون في الايام القريبة قرب خيامهم مشهدا مغايرا: طائرات رش زراعية تلون الأخضر النادر بأصفر رملي، من المواد الكيماوية التي تبيد المزروعات. فقد وضع موظفو "الدوريات الخضراء" علامات على 12 ألف دونم المزروعة بالحبوب التي زرعها البدو على أراضي دولة مهجورة، ويريدون الآن ابادتها بواسطة رش مبيدات من الجو.

يبلغ عدد البدو في النقب 130000، وهو يساوي عدد اليهود في النقب، دون سكان مدينة بئر السبع. ولكن يفصل الجمهورين المتساويين بالعدد، فرق شاسع من ناحية الانتشار الجغرافي والحالة القانونية. إذ يسكن يهود النقب في حوالي 100 بلدة، بينما البدو يسكنون في 7 بلدات فقط. وقد أقرت الحكومة في الآونة الأخيرة اقامة خمس بلدات يهودية، وبينما لم يحظ البدو في العقد الأخير ولو باضافة بلدة واحدة. ويسمح لليهود اقامة عدد كبير من "بلدات الأفراد" (بلدات يسكنها بضعة أفراد فقط)، بينما لم يسمح للبدو بإقامة ولو بلدة واحدة كتلك. ولم يبق لهم سوى أن ينتشروا في كل منطقة دون تخطيط ودون منطق ودون خدمات انسانية أساسية.

يساوي عدد الأطفال البدو الذين يولدون يوميا في مستشفى سوروكا في بئر السبع ما يكفي روضة أطفال جديدة، ولكن عدد الروضات الجديدة التي تم افتتاحها هذه السنة للاطفال البدو يكفي لكل طفل عاشر، ويتم توجيه الأطفال الآخرين، منذ فترة الرضاعة، الى الحياة الهامشية، بفقر ذي دلالات مضاعفة. ويعيش الالاف منهم قرب تجمعات النفايات الوطنية الاسرائيلية، قرب بئر السبع ورمات حوفاف وديمونة.

وبفقدان الحالة القانونية للبلدات البدوية، وبفقدان مصادر الرزق والشروط الحياتية، ولو أبسطها، يحيا البدو بين الصدوع، وأحيانا في مساحة القانون الرمادية غير الواضحة، الذي اصبح في هذا العام يمس الأخضر قرب خيامهم. فقبل شهر وفي أعقاب المطر كان من أسرع ليزرع على أمل ان تنبت مزروعات، وربما حتى حبوب قمح. كل المساحة التي زرعوها البدو وتعتبر "بشكل غير قانوني"، أصغر من مساحة زراعة قانونية لقرية تعاونية واحدة صغيرة. فمثلا زرعت القرية التعاونية "كراميم" التي تضم 30 شخصا، مساحة أكبر من كل المساحة المزروعة، القانونية وغير القانونية، التي زرعه 30000 من البدو يسكنون في محيط تلك القرية التعاونية.

إن رش المساحات المزروعة في النقب هو استمرار فظ للتعامل القاسي والعنيف ضد البدو. وهم سيردون بعنف. وسيكون رد على الرد. والبقية المتوقعة حتماً ستؤدي الى كارثة تضربنا جميعا، نحن سكان النقب. ما زالت الامكانية واردة لمنع ذلك. من المجدي ان تلغي السلطات الأوامر بتحويل المناطق البدوية المزروعة الى رقعة صفراء، في منطقة حظيت هذا العام بأعجوبة خضراء.
( 30/01/2002)